الشوكاني
77
فتح القدير
وقوله : قفانبك من ذكرى حبيب ومنزل * بسقط اللوى بين الدخول فحومل وقول الآخر : فإن تزجراني يا بن عفان أنزجر * وإن تدعواني أحم عرضا ممنعا قال المازني : قوله ( ألقيا ) يدل على ألق ألق . قال المبرد : هي تثنية على التوكيد ، فناب ألقيا مناب ألق ألق قال مجاهد وعكرمة : العنيد المعاند للحق ، وقيل المعرض عن الحق ، يقال عند يعند بالكسر عنودا . إذا خالف الحق ( الذي جعل مع الله إلها آخر ) يجوز أن يكون بدلا من كل أو منصوبا على الذم ، أو بدلا من كفار ، أو مرفوعا بالابتداء أو الخبر ( فألقياه في العذاب الشديد ) تأكيد للأمر الأول أو بدل منه ( قال قرينه ربنا ما أطغيته ) هذه الجملة مستأنفة لبيان ما يقوله القرين ، والمراد بالقرين هنا الشيطان الذي قيض لهذا الكافر ، أنكر أن يكون أطغاه ، ثم قال : ( ولكن كان في ضلال بعيد ) أي عن الحق فدعوته فاستجاب لي ، ولو كان من عبادك المخلصين لم أقدر عليه ، وقيل إن قرينه الملك الذي كان يكتب سيئاته وإن الكافر يقول : رب إنه أعجلني فيجيبه بهذا ، كذا قال مقاتل وسعيد بن جبير . والأول أولى ، وبه قال الجمهور ( قال لا تختصموا لدي ) هذه الجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر كأنه قيل ، فماذا قال الله ؟ فقيل ( قال لا تختصموا لدي ) يعنى الكافرين وقرناءهم ، نهاهم سبحانه عن الاختصام في موقف الحساب ، وجملة ( وقد قدمت إليكم بالوعيد ) في محل نصب على الحال : أي والحال أن قد قدمت إليكم بالوعيد بإرسال الرسل وإنزال الكتب ، والباء في بالوعيد مزيدة للتأكيد أو على تضمين قدم معنى تقدم ( ما يبدل القول لدي ) أي لا خلف لوعدي ، بل هو كائن لا محالة ، وقد قضيت عليكم بالعذاب فلا تبديل له ، وقيل هذا القول هو قوله - من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها - وقيل هو قوله - لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين - وقال الفراء وابن قتيبة : معنى الآية : أنه ما يكذب عندي بزيادة في القول ولا بنقص منه لعلمي بالغيب ، وهو قول الكلبي . واختاره الواحدي لأنه قال - لدي - ولم يقل وما يبدل قولي ، والأول أولى . وقيل إن مفعول قدمت إليكم هو ما يبدل أي وقد قدمت إليكم هذا القول ملتبسا بالوعيد ، وهذا بعيد جدا ( وما أنا بظلام للعبيد ) أي لا أعذبهم ظلما بغير جرم اجترموه ولا ذنب أذنبوه . ولما كان نفي الظلام لا يستلزم نفي مجرد الظلم قيل إنه هنا بمعنى الظالم كالثمار بمعنى التامر . وقيل إن صيغة المبالغة لتأكيد هذا المعنى بإبراز ما ذكر من التعذيب بغير ذنب في معرض المبالغة في الظلم . وقيل صيغة المبالغة لرعاية جمعية العبيد من قولهم فلان ظالم لعبده وظلام لعبيده ، وقيل غير ذلك ، وقد تقدم الكلام على هذا في سورة آل عمران وفي سورة الحج ( يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد ) قرأ الجمهور " نقول " بالنون . وقرأ نافع وأبو بكر بالياء . وقرأ الحسن أقول . وقرأ الأعمش " يقال " والعامل في الظرف " ما يبدل القول لدي " أو محذوف أي أذكر أو أنذرهم ، وهذا الكلام على طريقة التمثيل والتخييل ، ولا سؤال ولا جواب ، كذا قيل ، والأولى أنه على طريقة التحقيق ولا يمنع من ذلك عقل ولا شرع . قال الواحدي . قال المفسرون : أراها الله تصديق قوله - لأملأن جهنم - فلما امتلأت قال لها ( هل امتلأت وتقول هل من مزيد ) أي قد امتلأت ولم يبق في موضع لم يمتلئ ، وبهذا قال عطاء ومجاهد ومقاتل بن سليمان . وقيل إن هذا الاستفهام بمعنى الاستزادة : أي إنها تطلب الزيادة على من قد صار فيها . وقيل : إن المعنى أنها طلبت أن يزاد في سعتها لتضايقها بأهلها ، والمزيد إما مصدر كامحيد أو اسم مفعول كالمنيع ، فالأول بمعنى هل من زيادة ، والثاني بمعنى هل من شئ تزيدونيه ثم لما فرغ من بيان حال الكافرين شرع في بيان حال المؤمنين فقال ( وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد ) أي قربت للمتقين تقريبا غير بعيد أو مكان غير بعيد منهم بحيث يشاهدونها في الموقف ، وينظرون ما فيها مما لا عين رأت ولا أذن